الجملة التي أقرؤها مما حدث في الأيام الماضية أننا شعب من اليسير جدا ان يجتمع على هدف عام واحد بمجرد النقر اللطيف على عاطفته. حين يأنس في شخص ما الثقة والأمان ، وهو ما حدث مع المنتخب وحسن شحاتة الذي رغم من يحملون عليه وعلى لاعبيه إلا أن له شيئا يمكن تسميته منجزا كان مبدأ الثقة والامل فيه .. مصر عاوزة رمز نضيف تحس معاه بالأمان لتكون أم الدنيا بجد .. هو فيه أم من غير أمان وحضن دافي.
Nov 15, 2009
Nov 14, 2009
من ذاق طعم // 1
الألفاظ ذائعة الشهرة والاستخدام يصعب الحديث حولها؛ لأنه بقدر ما يجعلها الانتشار معروفة للجميع يجعلها غامضة غير واضحة. ذلك أن توهم المعرفة الذي يصاحب كثرة استخدام مصطلح ما يصرف غالبا عن البحث وتتبع الحدود المخصوصة للكمات والأشياء.
لعل أكثر الكلمات شيوعا والتي يمكن أن نطبق عليها هذه الفكرة هي كلمة الحب الصغيرة. وليس شيوع الكلمة وحده هو ما يجعلها تقع في هذه المنطقة. بل لأن الحب عاطفة تتصل بجميع البشر دون النظر إلى مكانهم من خريطة المعرفة أو الدراسة أو التفكير. وهي بذلك ملك للجميع ولا يُقبل أن يدّعي أحد امتلاكه وحده المعرفة الكاملة فيه. أو يرى تجربته أولى بالتعميم والاتباع.
الحب إذا تجربة خاصة يختلف منهجها باختلاف أقطابها وظروفهم. بل وتختلف معاني النتائج فيه أيضا. مقدماته المتشابهة لا تنتهي إلى نهايات متشابهة. ثم هي نتائج بالغة الخصوصية في العادة لا تمس إلا القائمين بالتجربة، وإن تعدتهم فبالقليل.
أبدأ هذه البداية لتنقلني إلى كلمة أخرى أكثر مسا وشيوعا وجدلا هي "الدين والتدين". ووجه الشبه هنا هو الشيوع أولا، ثم هو خصوصية التجربة للفرد. غير أن تجربة الدين ليست مطلقة المنهج، حرةً في دروبها كما هو الحال مع تجربة "الحب" من حيث هو عاطفة بين البشر، لا في الذين يدينون بالأديان السماوية ولا عند من يتبعون مناهج بشرية موضوعة.
الدين تجربة معلومةُ الخطوات والحدود، والمساحة المتروكة للتجريب الحر فيه ليست واسعة في العادة. وكلما قرُب الدين من تحقيق التوازن بين الرغبة الكامنة في البشر للمعرفة والتجريب وبين حدوده الصارمة الموضوعة
لهم كان أكثر قبولا في النفس محققا لها الأمان الذي تنشده.
وعليه فإن البشر جميعا مشتركون في هذه التجربة على اختلاف معطياتها وخطواتها وما يتوقع أن تنتهي إليه في كل جهة من جهاتهم المختلفة. هذا الاشتراك يجعلنا نضع سؤالا هاما هنا: إلى أي مدى يحملنا التشابه في العلة والاسم ونحن ندرس هذه التجربة، وهل يصح التعامل معها جميعا بقيم واحدة ثابتة؟
لكي نجيب هذا السؤال نضع سؤالا آخر أولا: من أين ينبت الدين في النفوس؟
سأتجاوز كل النظريات التي وضعت في ذلك، إلى الاعتقاد الذي ندين به نحن المسلمون. وهو: "وإن كانت الحاجة للتدين فطرة وإن كنا نؤمن بأن البشر قادرين بهذه الفطرة على الاستدلال إلى ما ينبغي عليهم عمله إلا أن المناهج السماوية التي وصلت إلينا عن طريق الرسل لا يمكن إهمالها أو التعامل معها كأن لم تكن." وهي العبارة التي يقصر الحديث هنا عن إثباتها أو التدليل عليها اختصاراً.
ونحن بهذا نجمع كلا النهجين في التفكير في هذه القضية، المادي القائل بأن الدين غريزة موجودة بالفطرة والغيبي القائل برسالة سماوية هي الدليل وهي المنهج. الدين إذا تجربة معلومة الخطوات والحدود.
أقول كل ذلك لأنتهي إلى أن تجربة التصوف في الإسلام تجربة خاصة به وإن تشابهت مع تجارب إنسانية أخرى فلا يمكننا وضعها معها في نفس المنطقة أثناء دراستها والتعامل معها. فلا المعطيات ولا الخطوات ولا الغاية منها واحدة.
لقد قام التصوف في الإسلام على أنه تجارب روحية خاصة غايتها الوصول إلى الله من طريق الله. ولعل أبرز العبارات التي ينبغي التوقف عليها هي قول ابن خلدون في المقدمة:
"هذا العلم من العلوم الشرعية الحادثة في الملة وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين، طريقة الحق والهداية، وأصلها الوقوف على العبادة والانقطاع إلى الله والإعراض عن الحياة الدنيا والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه والإنفراد عن الخلق بالخلوة وكان هذا عاماً في الصحابة والسلف فلما فشى الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وجنح الناس إلى حب الدنيا اختص القائمون على العبادة باسم الصوفية" انتهى
إنها تجارب قامت بمعدلات محسوبة في ظروف معلومة لم يتعد فيها منهم أحد وقد قال القشيري في أول رسالته:
"اعلموا، رحمكم الله، أن شيوخ هذه الطائفة بنوا قواعد أمرهم على أصول صحيحة في التوحيد، صانوا بها عقائدهم عن البدع ودانوا بما وجدوا عليه السلف وأهل السنة من توحيد ليس فيه تمثيل ولا تعطيل، وعرفوا ما هو حق القدم. وتحققوا بما هو نعت الموجود عن العدم.
لكننا مع ذلك نجد فيما وصل إلينا أحوالا عدها الفقهاء شططا وصل أحيانا إلى التكفير. ولعل في حديث ابن طفيل وهو يبدأ رسالته "حي بن يقظان" شيئا يعلل ذلك:
"غير أن تلك الحال لما لها من البهجة والسرور واللذة والحبور لا يستطيع من وصل إليها وانتهى إلى حد من حدودها أن يكتم أمرها أو يخفي سرها، بل يعتريه من الطرب والمرح والسرور ما يحمله على البوح بها. فإن كان ممن لم تُحذقه العلوم قال فيها بغير تحصيل، حتى إن بعضهم قال في هذه الحال: "سبحاني ما أعظم شاني"، وقال غيره : "أنا الحق" وقال غيره: "ليس في الثوب إلا الله". وأما الشيخ أبو حامد الغزالي فقال متمثلا عند وصله إلى هذا الحال بهذا البيت :
فإنما أدبته المعارف وحذقته العلوم" انتهى.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى ما وقع للناس من استغلاق الفهم لحديثهم في وصف أحوالٍ لم يعاينها الناس، واستخدامهم لغة لم يعهدوها. فتجد حول شخص واحد مثلا كتابين "تنبيه الغبي إلى كفر ابن عربي" للبقاعي، و "تنبيه الغبي في تبرئة ابن عربي" للسيوطي.
يصف ابن خلدون ذلك في المقدمة:
"ثم لهم مع ذلك آداب مخصوصة بهم واصطلاحات في ألفاظ تدور بينهم. إذ الأوضاع اللغوية إنما هي للمعاني المتعارفة، فإذا عرض من المعاني ما هو غير متعارف اصطلحنا عن التعبير عنه بلفظ يتيسر فهمه منه فلهذا اختص هؤلاء بهذا النوع من العلم الذي ليس لواحد غيرهم من أهل الشريعة الكلام فيه. وصار علم الشريعة على صنفين صنف مخصوص بالفقهاء وأهل الفتيا وهي الأحكام العامة في العبادات والعادات والمعاملات، وصنف مخصوص بالقوم في القيام بهذه المجاهدة ومحاسبة النفس عليها والكلام في الأذواق والمواجد العارضة في طريقها وكيفية الترقي منها من ذوق إلى ذوق وشرح الاصطلاحات التي تدور بينهم في ذلك. "
التصوف ذوق، لذلك قالوا: من ذاق علم ومن لم يذق حرم. وحين حاولوا وصف ما ذاقوا أكسبوا اللغة صورة عذبة حية. مسوا منها الخفي من أنفاسها وكوامنها. وهو ما أتمنى أن نبحث فيه معا متذوقين مستمتعين.
ومنورين
لعل أكثر الكلمات شيوعا والتي يمكن أن نطبق عليها هذه الفكرة هي كلمة الحب الصغيرة. وليس شيوع الكلمة وحده هو ما يجعلها تقع في هذه المنطقة. بل لأن الحب عاطفة تتصل بجميع البشر دون النظر إلى مكانهم من خريطة المعرفة أو الدراسة أو التفكير. وهي بذلك ملك للجميع ولا يُقبل أن يدّعي أحد امتلاكه وحده المعرفة الكاملة فيه. أو يرى تجربته أولى بالتعميم والاتباع.
الحب إذا تجربة خاصة يختلف منهجها باختلاف أقطابها وظروفهم. بل وتختلف معاني النتائج فيه أيضا. مقدماته المتشابهة لا تنتهي إلى نهايات متشابهة. ثم هي نتائج بالغة الخصوصية في العادة لا تمس إلا القائمين بالتجربة، وإن تعدتهم فبالقليل.
أبدأ هذه البداية لتنقلني إلى كلمة أخرى أكثر مسا وشيوعا وجدلا هي "الدين والتدين". ووجه الشبه هنا هو الشيوع أولا، ثم هو خصوصية التجربة للفرد. غير أن تجربة الدين ليست مطلقة المنهج، حرةً في دروبها كما هو الحال مع تجربة "الحب" من حيث هو عاطفة بين البشر، لا في الذين يدينون بالأديان السماوية ولا عند من يتبعون مناهج بشرية موضوعة.
الدين تجربة معلومةُ الخطوات والحدود، والمساحة المتروكة للتجريب الحر فيه ليست واسعة في العادة. وكلما قرُب الدين من تحقيق التوازن بين الرغبة الكامنة في البشر للمعرفة والتجريب وبين حدوده الصارمة الموضوعة
لهم كان أكثر قبولا في النفس محققا لها الأمان الذي تنشده.
وعليه فإن البشر جميعا مشتركون في هذه التجربة على اختلاف معطياتها وخطواتها وما يتوقع أن تنتهي إليه في كل جهة من جهاتهم المختلفة. هذا الاشتراك يجعلنا نضع سؤالا هاما هنا: إلى أي مدى يحملنا التشابه في العلة والاسم ونحن ندرس هذه التجربة، وهل يصح التعامل معها جميعا بقيم واحدة ثابتة؟
لكي نجيب هذا السؤال نضع سؤالا آخر أولا: من أين ينبت الدين في النفوس؟
سأتجاوز كل النظريات التي وضعت في ذلك، إلى الاعتقاد الذي ندين به نحن المسلمون. وهو: "وإن كانت الحاجة للتدين فطرة وإن كنا نؤمن بأن البشر قادرين بهذه الفطرة على الاستدلال إلى ما ينبغي عليهم عمله إلا أن المناهج السماوية التي وصلت إلينا عن طريق الرسل لا يمكن إهمالها أو التعامل معها كأن لم تكن." وهي العبارة التي يقصر الحديث هنا عن إثباتها أو التدليل عليها اختصاراً.
ونحن بهذا نجمع كلا النهجين في التفكير في هذه القضية، المادي القائل بأن الدين غريزة موجودة بالفطرة والغيبي القائل برسالة سماوية هي الدليل وهي المنهج. الدين إذا تجربة معلومة الخطوات والحدود.
أقول كل ذلك لأنتهي إلى أن تجربة التصوف في الإسلام تجربة خاصة به وإن تشابهت مع تجارب إنسانية أخرى فلا يمكننا وضعها معها في نفس المنطقة أثناء دراستها والتعامل معها. فلا المعطيات ولا الخطوات ولا الغاية منها واحدة.
لقد قام التصوف في الإسلام على أنه تجارب روحية خاصة غايتها الوصول إلى الله من طريق الله. ولعل أبرز العبارات التي ينبغي التوقف عليها هي قول ابن خلدون في المقدمة:
"هذا العلم من العلوم الشرعية الحادثة في الملة وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين، طريقة الحق والهداية، وأصلها الوقوف على العبادة والانقطاع إلى الله والإعراض عن الحياة الدنيا والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه والإنفراد عن الخلق بالخلوة وكان هذا عاماً في الصحابة والسلف فلما فشى الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وجنح الناس إلى حب الدنيا اختص القائمون على العبادة باسم الصوفية" انتهى
إنها تجارب قامت بمعدلات محسوبة في ظروف معلومة لم يتعد فيها منهم أحد وقد قال القشيري في أول رسالته:
"اعلموا، رحمكم الله، أن شيوخ هذه الطائفة بنوا قواعد أمرهم على أصول صحيحة في التوحيد، صانوا بها عقائدهم عن البدع ودانوا بما وجدوا عليه السلف وأهل السنة من توحيد ليس فيه تمثيل ولا تعطيل، وعرفوا ما هو حق القدم. وتحققوا بما هو نعت الموجود عن العدم.
لكننا مع ذلك نجد فيما وصل إلينا أحوالا عدها الفقهاء شططا وصل أحيانا إلى التكفير. ولعل في حديث ابن طفيل وهو يبدأ رسالته "حي بن يقظان" شيئا يعلل ذلك:
"غير أن تلك الحال لما لها من البهجة والسرور واللذة والحبور لا يستطيع من وصل إليها وانتهى إلى حد من حدودها أن يكتم أمرها أو يخفي سرها، بل يعتريه من الطرب والمرح والسرور ما يحمله على البوح بها. فإن كان ممن لم تُحذقه العلوم قال فيها بغير تحصيل، حتى إن بعضهم قال في هذه الحال: "سبحاني ما أعظم شاني"، وقال غيره : "أنا الحق" وقال غيره: "ليس في الثوب إلا الله". وأما الشيخ أبو حامد الغزالي فقال متمثلا عند وصله إلى هذا الحال بهذا البيت :
قد كان ما كان مما لست أذكره // فظن خيرا ولا تسأل على الخبر
فإنما أدبته المعارف وحذقته العلوم" انتهى.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى ما وقع للناس من استغلاق الفهم لحديثهم في وصف أحوالٍ لم يعاينها الناس، واستخدامهم لغة لم يعهدوها. فتجد حول شخص واحد مثلا كتابين "تنبيه الغبي إلى كفر ابن عربي" للبقاعي، و "تنبيه الغبي في تبرئة ابن عربي" للسيوطي.
يصف ابن خلدون ذلك في المقدمة:
"ثم لهم مع ذلك آداب مخصوصة بهم واصطلاحات في ألفاظ تدور بينهم. إذ الأوضاع اللغوية إنما هي للمعاني المتعارفة، فإذا عرض من المعاني ما هو غير متعارف اصطلحنا عن التعبير عنه بلفظ يتيسر فهمه منه فلهذا اختص هؤلاء بهذا النوع من العلم الذي ليس لواحد غيرهم من أهل الشريعة الكلام فيه. وصار علم الشريعة على صنفين صنف مخصوص بالفقهاء وأهل الفتيا وهي الأحكام العامة في العبادات والعادات والمعاملات، وصنف مخصوص بالقوم في القيام بهذه المجاهدة ومحاسبة النفس عليها والكلام في الأذواق والمواجد العارضة في طريقها وكيفية الترقي منها من ذوق إلى ذوق وشرح الاصطلاحات التي تدور بينهم في ذلك. "
التصوف ذوق، لذلك قالوا: من ذاق علم ومن لم يذق حرم. وحين حاولوا وصف ما ذاقوا أكسبوا اللغة صورة عذبة حية. مسوا منها الخفي من أنفاسها وكوامنها. وهو ما أتمنى أن نبحث فيه معا متذوقين مستمتعين.
ومنورين
Nov 7, 2009
Nov 5, 2009
ولدي أحمد :
سلام الله عليك وعلى إخوتك ووالدتك وبعد ففي إحدى الليالي رأيتك في منامي تجلس على رجلي بينما تداعبني سمية (أختك) ، أما أنت يا أحمد فقد كنت عجيبا . سألتك : هل تحبني؟ فهل تعرف بم أجبت يا أحمد! لقد أجبت بالقليل الكثير.
لقد قلت يا أحمد وكان في وجهك معان كثيرة قرأها قلبي قبل أن يقرأها عقلي .. لقد قلت لي : "الراجل يحب الراجل" وأعاهدك يا أحمد أني سأحاول أن أكون رجلا. وأسأل الله وادع معي عسى يستجيب الله وأكون رجلا يملأ عينك و تفخر به.
هذه السطور من رسالة قديمة لجدي كتبها لأبي .. تاريخها 3 مارس 1958 .. أي قبل أن يتم أبي عامه السادس بعشرة أيام .. أقرؤها الآن وفي نفسي ذات الأمنية .. أن أكون رجلا ..
سلام الله عليك وعلى إخوتك ووالدتك وبعد ففي إحدى الليالي رأيتك في منامي تجلس على رجلي بينما تداعبني سمية (أختك) ، أما أنت يا أحمد فقد كنت عجيبا . سألتك : هل تحبني؟ فهل تعرف بم أجبت يا أحمد! لقد أجبت بالقليل الكثير.
لقد قلت يا أحمد وكان في وجهك معان كثيرة قرأها قلبي قبل أن يقرأها عقلي .. لقد قلت لي : "الراجل يحب الراجل" وأعاهدك يا أحمد أني سأحاول أن أكون رجلا. وأسأل الله وادع معي عسى يستجيب الله وأكون رجلا يملأ عينك و تفخر به.
هذه السطور من رسالة قديمة لجدي كتبها لأبي .. تاريخها 3 مارس 1958 .. أي قبل أن يتم أبي عامه السادس بعشرة أيام .. أقرؤها الآن وفي نفسي ذات الأمنية .. أن أكون رجلا ..
Oct 28, 2009
Oct 27, 2009
سافرة .. يعني وضيئة
هذا الحديث لا علاقة له بالحجاب ولا بالنقاب ولا بأي شيء مما يثير شهية الراغبين في الثرثرة إنما الفكرة كالتالي :
تولد الكلمات ولها معان تدل عليها. ثم تسير مع الناس والزمان وتتغير دلالاتها من عصر لعصر. فيزيد استخدامها أو يسقط عنها بعض ما كانت تدل عليه. واختلاف الدلالة للكلمة الواحدة يمكننا الاعتماد عليه بصورة ما في تتبع التغير الذي مر على الفكر المستخدم لهذه اللفظة .. مادامت اللغة في الأساس هي مادة هذا الفكر .
أوضح ما أريد قوله بهذين المثالين . وكلاهما في التعابير التي استخدمت لوصف المرأة الجميلة:
كان التعبير الأول هو لفظ (السفور) والذي نبحث عنه في المعاجم في مادة ( س ف ر ) لنجد الآتي:
وسَفَرَ الصُبْحُ يَسْفِرُ، بالكسر، سَفراً: أضاءَ وأشْرَقَ، كأسْفَرَ، وأنكرَ الأصمعيّ أسْفَرَ.وفي البصائر، والمُفْردات والإسْفارُ يخْتصُّ باللون، نحو والصُّبحِ إذا أسْفَرَ. وامرأة سافرة أي مُشْرِقةٌ مضِيئةٌ. وفي الأساس: ومن المجاز: وجْهٌ مُسْفِرٌ: مُشْرقٌ سُروراً. وفي التهذيب: أسْفرَ الصُبحُ، إذا أضاءَ إضاءَةً لا يُشَكّ فيه،ومنه قولُه صلى الله عليه وسلم: "أسْفِروا بالفجْرِ فإنه أعْظَمُ لللأجْر"
وفي أساس البلاغة : وجه مسفر وامرأة سافرة ونساء سوافر .. ومنه "وجوه يومئذ مسفرة" يعني مشرقة. وايضا "والصبح إذا أسفر" يعني أضاء.
وللشريف الرضي: سفرن فأبدلن الدّياجِيَ بالضُّحى || وأجريْنَ من تلك العشيّات رَوْنقا
ولفتيان الأسدي: سَفَرنَ بدوراً وَاِنتَقَبنَ أَهِلَّةً || وَمِسنَ غُصونَ البانِ وَالبانُ مَيّالُ
فالكلمة التي استعملت أول ما استعملت في وصف المرأة مكشوفة الوجه كانت تحمل في تركيبها معاني الضياء والإشراق في الأساس. فيكفي اللفظ للتدليل على الوضاءة فإذا اقترن بالبدور كان أوضح .. وهؤلاء السوافر إذا انتقبن ولم يبد منهن إلا هلال وجوههن كن "أهلة".
وإذا أستحضرت حديث حجة الوداع الذي رواه عبد الله بن عباس رضي الله عنه "قال كان الفضل رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءت امرأة من خثعم وضيئة، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، وجعل النبى صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر"
ولا أورده هنا إلا للتدليل على أن العرب لم تكن تستنكف أن تصف الحسن في المرأة بما هي أهله إذا استلزم الحديث ذلك بغير ابتذال كما هو الحال هنا والراوي هو سيدنا عبد الله بن عباس ترجمان القرآن. وهذا لا ينفي بالطبع المجون من حديثهم إنما أريد هنا الحديث المعتاد لا حديث الملاهي.
ثم بعد ذلك تحولت الكلمة من التعبير الوجه المكشوف وفيها إشارة الحسن والكناية بالصباح إلى سافرة التي ساوت في معناها: "اللي ماشيى على حل شعرها" والحل في ظاهره الكشف وفي اصطلاحه الخروج عن حد الحياء والأخلاق.
وإذا أخذنا الكلمة الفرنسية
"charmant"
والتي يقول القاموس إنها تعني "ساحرة" وتستخدم لمعان مثل : عذب وفاتن وجذاب وحبوب وآسر ولائق ومبهج ومبتهج . لمّا استعملت في العربية استخدمت بمنطوقها "شرموطة" ((مع الإعتذار طبعا لأسماعكم الكريمة)) والتي حيدت عن معنى الوصف الجميل للمرأة الحسناء إلى الوصف السيء لما هو مظنة الصدور عن هذه المرأة الحسناء من وجهة نظر العقل غير الحسن.
كلا الكلمتين تحولتا من المعنى العذب الجميل الذي يصف الحسن المجرد إلى معنى ضيق وإن ارتبط بالحسن في حالة واحدة ضيقة فهو يخالفه في بقية المساحة الرحبة.
مثال آخر أختم به، إن كلمة "ابن ناس" استعملت أول ما استعملت للتدليل على الأطفال غير معلومي النسب .. فهو ابن نناس. وانظر ما في الكلمة من لطف خفيف .. فناس ليست مسبة ولا كلمة سوء .. ثم انظر إلى "ابناء الشوارع" التي اصبحت اسمهم اليوم .. وتأمل ماذا جرى .
ما ابتدأت به وهو أنه يمكننا النظر في التغير الطارئ على الفكر من النظر للتغيرات الطارئة على استخدام الكلمات قد يقول أشياء كثيرة هنا .. أتركها لكم
وصباحكم وصباحكن ورد ..
Oct 24, 2009
التسطيح
في أساس البلاغة: سطّح الشيء إذا جعله مستويا // وفي الصحاح: سطْحُ كل شيء أعلاه. و به يكون تسطيح الأمور: الأخذ بالبسيط الواضح منها دون النظر لما هو في عمقها. وهو موضع الحديث الذي أحاوله الآن.
إذا كانت أول العلاقات بالأشياء تبدأ بالنظر لها. ثم محاولة تحسسها ثم النفاذ إليها ومعرفة ماهيتها ووظيفتها. فكل معرفة لا تُتـتَبع إلى تلك النهاية لا تكون معرفة كاملة.
المعرفة بالنظر وحدها لا تنقل لنا إلا الأشكال والصور وهي في أحوال كثيرةٍ مشتركةٌ متشابهةٌ. والمعرفة باللمس والإحساس وإن أضافت معانٍ تُخصص الأولى إلا أنها تظل غير قيمة في ذاتها.
إن معرفتنا لشيء لا تتم إلا بمعرفة قيمته الحقيقية لنا وما يمكننا أن نجنيه من نفع فيه أو نتحاشاه من ضرر منه.
*********
الذي ينظر للبحر من شرفة على الطريق يدعي المعرفة به وبمواقيت نوّاته وسلوك أمواجه. والذي يجلس ماداً ساقيه في الماء يدعي المعرفة بالبحر وتقلباته. و الصياد والبحار والمرشد كل أولئك يدعون المعرفة به. ثم السباح والغواص يقولون ذلك أيضا.
فمِن أيٍ من هؤلاء يمكننا تتبع المعرفة عن البحر؟
مِن صاحب الشرفة أم من المصطاف أم السباح أم الغواص؟!
ما يجري على البحر نخلعه على أمر كالسياسة مثلا. السياسة التي فيها تاريخ الأمم ومسالكها. وفيها نزعات البشر وتقلباتهم. فيها السلطة والسطوة والحيلة والخديعة. فيها الطموح والجموح. ومع كل ذلك نجد المستشرف لها من شرفة، ومن يمد فيها رجلا ومن يملأ منها قَدْر القدح.. ثم هم جميعا بعد ذلك مناضلون سياسيون يكتبون ويهتفون ويجمعون حولهم الناس.
إذا غضبنا حين يتهمون جيلنا بأنه جيل سلبي المشاركة في الأحداث التي تصنعه. فأكثر من ذلك غضبنا أن نكون جيلا يُسطّح كل قضاياه حين يتعامل معها. وانظر كيف هو نتعامل مع قضية كتوريث الحكم مثلا تعامل المشجعين والمحللين في البرامج الرياضية.
حتى الأسماء التي نختارها لا تعبر عن جدية الحدث، فبين "شايفينكو" إلى "هنعصلج" و"ما يحكمش".. كلها أسماء تصلح أن تكون أسماء مسلسلات فكاهة لا حركات سياسية موزونة.
*********
أما على صعيد التديُّن ومفرداته فكثير أيضا، ابتداء من نصرة الرسول برسائل قصيرة ترسلها لعشرة يغفر الله لك ولأبيك وأمك ومن في الأرض وانتهاء بالتصوف الذي كان علم الخواص في كل زمن فأصبح دعوى العوام لتكون منه نسخة مختصرة من نايٍ ومولويات وأبيات هي تمام التزين والمعرفة.
مثل ذلك يمكن أن يُحمل على تجارب الكتابة لهذا الجيل أيضا سواء ذات الهيئة الواضحة كالنص والقصة والمقال أو التدوينات و (النوتس ) التي هي في بعضها أدب شكاية ونحيب. فنجعل حتى تفاصيل حياتنا التي نتعهدها بالكتابة مسطحة أو نكرر تجارب لا تمت لنا بصلة.
قد قيل من قديم: لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها.
وقيل أيضا إن السفن تتحطم حين تكون قريبة من الشاطئ.. أما حين تبحر فحتى وإن بقي الغرق مهددها إلا أن ما تحطمه العاصفة في عرض البحر أقل مما يتحطم عند الشاطئ بما يكفي ليجعل الإبحار أكثر أمنا..
Sep 20, 2009
من إشــراق
"من هذه الدروس عرفت كيف أقرأ القرآن، كيف أفهم معاني ألفاظه وأتعامل معها، يتحول القرآن إلى نصوص ثرية مليئة بالمعاني حين تختلف نظرتنا إليه، من كتاب تعبد بالقراءة إلى كتاب نقرأ فيه إرادة الله، هذه الإرادة المبثوثة في كل حرف من حروفه حتى ليحملني الحرف الواحد إلى معانٍ دقيقة دقيقة لا يقوم بها حرف آخر سواه، إرادة الله كما بثها في حروف القرآن بثها في الكون حولنا، حين نقرأ الكون فإننا نقرأ أيضا إرادة الله، نقرأ في الكون أوامر الله ورغباته الجليلة، الكون السائر بانتظام متزن لا يهتز، الكون الذي لا تقوم فيه حركة بغير مصلحة مركبة للبشر، الكون الذي تقوم كل مكوناته على الجَمال المطلق، يريد الله أن يلفت أنظارنا إلى هذه الأشياء الجميلة، فيكثر القسم بها في نصوص القرآن، حين يقسم الله بالشمس يريد أن يخبرنا أن وراءها أسرارًا تستحق منا التوقف، ليست مجرد ضوء دافئ معتاد، نراه كل يوم، هو العظيم ليس في حاجة لأن يقسم بشيء آخر سواه، لكنه أقسم بالشمس وبالقمر وبالفجر وبالضحى وبالنهار وبالليل، يختار حين يقسم بالصبح لحظة واحدة فيه وهو يقول "والصبح إذا تنفس"، ويختار لهذه اللحظة أجمل تعبير تصل به إلى نفسك، حتى ليتحول الصبح معك بعد هذه الآية، إلى كل معاني الحياة الحية، لتقول حين تسمعها أيها الصبح: إني أحبك حين تتنفس.
هذا الانفتاح الجديد لمعاني القرآن في نفسي، جعلني أعيد النظر في كل المفردات التي اكتسبتها قبل ذلك، كانت معاني المفردات التي ألفتها في حياتي تتغير دون أن أشعر، ألحظ ذلك في إدراكي لأشياء كالشمس والقمر والنهار، لم أعد أراها كما كنت أفعل، في نفسي أن هذه الأشياء تحمل لي حديثًا خاصًا، أبي وأمي وإخوتي وأصدقائي وليلى، الحياة والموت والسعادة والشقاء، الحنين والشوق والرضا، كل ذلك اكتسى معاني أخرى أوسع، المعاني الجديدة أحس أنها أكثر وضوحًا.."
وكل عام أنتم بخير
Sep 2, 2009
الجملة القرآنية وبناء العقل العربي
ما الدين إلا النظرة المثلى للخلق والخالق. وحين يرسل دين جديد إلى قوم لم يعتادوا البحث سوى بأنظارهم المجردة في كل ما يحيطهم من رسائل كونية فلا يكفي أن يكون قادرا على إجابة الأسئلة التي لديهم عن كل هذا الكون بعلاقاته الواسعة بل يلزم أيضا أن يعد نفوسهم لتكون صالحة لتلقي رسائل الله في كل ركن من أركان الكون حولهم. وإلا انهارت الفكرة سريعا في نفوسهم وخصوصا عندما يواجهون أقوامهم وقد حملت كلها عليهم تريد إثناءهم......... Aug 4, 2009
إشراق

"تأتي البدايات متشابهة، لكننا نفاجأ عند الوصول، أن البدايات المتشابهة لا تعني نهايات واحدة، وإن أصرت الحياة منح الجميع نهاية واحدة لا تتغير.
رغم المشابهة في الصورة إلا أنها أبدا ليست متشابهة"
" تقول إن الله لم يخلق الدنيا جميلة ليأمرنا بالانصراف عنها، لابد أنها تحمل رسالة أخرى أكبر من كونها اختبارًا قاسيًا نستحق به الجنة، الله أجمل من أن يفعل بنا هذا، أن يلقينا في كل هذا الكون الجميل ليقول لنا انصرفوا عنه.
قلت لها: لأنه يخبئ لنا عالمًا أجمل.
قالت: وكيف يمكننا إدراك الجمال في الجنة، إن لم نتعلم ذلك في الدنيا، من لا يعرف الجمال لن يسعد به. "
Jul 29, 2009
ورد
"يا حياة الروح" كانت الأغنية الأولى التي سمعناها معا.
وهي الأغنية التي ما سمعتها إلا كانت أقرب كلمة إليّ: "وحشتيني قوي" .. وحشتيني أكثر مما قدّرت وتخيلت.
في الحفلة التي تجاورنا فيها على غير معرفة كنت أعلق على حماس عازف في صفوف الفرقة. وكان جوابك:
"شوف قديش ها البنت مبسوطة.. التالتة في الصف الرابع ورا... هَيْ .. هي .. شفتها.."
ساعتها ضحكت كما لم أضحك أبدا. كانت فتاة ككل من حولها ترقص كما يرقصن.. ولم يكن يظهر عليها أي ابتهاج زائد عنهن.
"عادي يعني .. زيها زي اللي حواليها"
"لا .. شوف كيف بتطلع لرفيقها اللي معها.. هي عاشقة أكيد .. بس هو مو مبين عليه انه بيحبها كتير "
"كل اللي هنا عشاق بالضرورة .. واستعرت لسانك وانا اسألك : صحيح وينه رفيقك"
سكت لحظة ثم قلت: "ووينها رفيقتك . ما على أساس كل اللي هنا عشاق .. متل ما بتقول."
هكذا عرفتك.. بأغنية وابتهاج فتاة عاشقة.
و هكذا تعلمت كيف أسمع أغنية في حفلة .. أتابع عيون الفتيات وهن يرقصن. أصبحت أعرف كما كنت تعرفين الفتاة المبتهجة حقا والتي تستدعي السعادة. وأعرف الذي يصحب رفيقته حبا والذي يصحبها امضاء وقت. فتصبح الأغنية حية بحياة كل الحاضرين فيها.
جزء من شيء لم تكتمل معالمه
Jul 7, 2009
المواوية
يسبقها صوتها إلى البيت الذي تعزم طرقه: "جاية من عند سيدي الحاج محمد أبو إبراهيم شيخ تجار البحر الصِّغير واداني جبة وقفطان لسلامة ابني ولحمة وفطير وجبنة كتير"
.
فإذا فُتح لها انصرفت تدعوا بحسنات كثيرة مسجوعة تختمها بقولها: "والدعا الطيب من نصيب ابني سلامة"
.
وحين تقارب بيتا تعلم أنه لا يفتح لها يكون من قولها: " يجري ورا الفار مشوار ويقول دا فردة حمام".. وإن قلت العطية عما اعتادته فـ "الفلفل بالوقية والجير بالقنطار" .. وإذا أغلق دونها باب تنصرف تعدد من سيئات أهله ما عهد عنهم وما لا يعمله إلا هي.
.
وأم سلامة تعلم أين يخبئ القرد ولده. تحصي على الناس أعمالهم الظاهرة والباطنة. الحسن والسيئ وتذكر ذلك كله حين ينساه أصحابه.
.
وأكثر ما يظهر منها ذلك في المياتم التي لا تفوتها أبدا. تبدؤها بتعديد حسنات قليلة يتشابه فيها الناس جميعا ثم يكون التعديد على حسب العطية التي تأخذها. وأم سلامة لا تحفظ لسانها عن عرض أحد مهما كان ولو علم الناس صلاحه واستقامته مادامت العطية لا تملأ عينها.
.
وقد سمعتها مرة في مأتم شاب أعرفه تولول: "امشي يا ولية يا جعانة يا عدمانة. يا اللي بتاكلوا التلاتة في رغيف وبتتغطوا الأربعة بلحاف. هو ميتكوا هيورد على جنة. دا كان طول النهار يعاكس بنات الناس ع الكوبري وكان زانق البت بنت أبو ...."
.
وإزاء ذلك تنحو بها الخادمة وهي تسألها : جرا إيه يا أم سلامة، الناس ف إيه ولا ف إيه؟!
.
"ياختي .. هو أنا بشحت، هو سلامة ابني مقامه نص فطيرة برضو .. أنا عاوزة فطيرتين وجبنة فلاحي وجبنة م الدكان ومِش وعسل أسمر."
.
"طب خلاص .. أقعدي هنا لحد ما أجيبهملك".
.
وتسرع تعد لها طلبها الذي تأخذه وهي تقول: " شايفاه وهو رايح يصلي الفجر من يومين وقاللي يا خالة أم سلامة ادعيلي .. مقامه كبير قوي عند ربنا"
.
كأنها كتاب أعمال الناس حي بين أعينهم. تعرف الرجال الذين يترددون على بيت صباح العالمة، والذين يسهرون عند عبده القهوجي. تعرف الذين يصلون الفجر والذين يسرقون أحذية الناس يوم الجمعة. تعرف ماذا يأكل الناس في بيوتهم وماذا يشربون. بل وتعرف أيضا متى تحيض النساء ومتى يصافين أزواجهن.
.
وكل الناس يتقينها خشية لسانها فلا تبدو لأحد إلا بادرها بعطية يشتري بها صمتها إن لم يشتري كلمة حسنة من لسانها.
.
وأم سلامة لم تترك بيتا إلا دهلته بلسانها إن لم تدخله بقدمها. ورغم أن الناس كانت تعلم أن حديثها أوله من معدتها وآخره من خيالها إلا أنه كان يجد مكانا بارزا في حكايات المجالس بعد ذلك. فابنة محسن العطار كانت مع ابن هنيدي في الزراعة ساعتين فعلا فيها وفعلا. ومحمود الذي يزرع أرض العنانية يسرق من محصولها ما لا يدركه أحد. وحسن تزوج في البندر من غازية تعرفها. وعلى ذلك كان الناس مولعين بحكاياتها وهم يخافون أن يمسهم منها شيء.
.
ولما كبر سنها وعجزت عن التنقل بين البيوت والمآتم كنا نراها عند الجسر أول النهار توزع دعواتها على الركاب الذين ينتظرون السيارة تقلهم إلى المدينة. فكان الناس يخشون دعاءها وهم على سفر وتواردت الحكايات أن من تطلب منه أم سلامة المبروكة طلبا يرده فإنه لا يصل سالما إلى بغيته. فيتحاشاها السائقون والركاب جميعا ويكثرون لها العطايا حين تبدو لهم ولو من بعيد.
.
وفي الليل كانت تعس بين الحقول تجمع أخبار الذين ضاقت بهم البيوت ووجدوا في الحقول سترا لهم وأمانا، وكثيرا ما انقضت ليلتها بلا فضيحة تصطنع التستر عليها لقاء أجر معلوم فتنام عند باب المسجد حتى توقظها حركة المصلين عند الفجر.
.
ولما ثقل لسانها ولم تعد قادرة على توزيع الدعوات وغابت عنها الحكايات التي كانت تصنعها والأخبار التي كانت تجمعها، بقي لها وجه لا تزيده الأيام إلا خشونة وعين حمراء غائرة تلمع بين طياته وظهر محني وساق مجهدة جعلتها لا تغادر أبواب السيارات المسافرة على الجسر ولا يراها أحد إلا مد لها يده بشيء خوفا من دعوة صامتة تطلقها إلى السماء عينها الحمراء الغائرة.
* * * * * * * * *
.ماتت بعد سنين أم سلامة .. والذين يمرون على القرية اليوم يقرؤون الفاتحة ويطلبون التوفيق عند القبر الذي بني حوله الجامع الكبير. وقليلون هم الذين يعرفون أن أم سلامة الولية المبروكة التي بني حولها المقام إنما هي أم سلامة المواوية التي خاضت في سيرهم جميعا ولم يستطع أحد أن يخوض في سيرتها حتى بعد موتها خشية غضبتها المبروكة.
May 20, 2009
بناء جديد
على الشاطئ الذي تمسحه الأمواج بأيد هادئة كانت تجلس طفلتان تملآن دلوين وتبنيان بيوتا من الرمال. الأولى رحاب ابنة صديقي والثانية كانت طفلة روسية بدا أنها ابنة سائح يجلس على طاولة قريبة.
>
لم يلحظ أحد منا متى بدءا اللعب ولا كيف تعارفا. ولم يكن يبدو عليهما في الحقيقة أي حوار منطوق. رحاب لا تعرف من الانجليزية إلا كلمة واحدة هي ( نو ) وعلى عادة الأطفال حين يتعلمون كلمة جديدة فإن رحاب تكرر ( نو ) في كل أحوالها فحين تطلب منها شيئا أو تسألها عن اسمها أو ماذا فعلت اليوم يكون أول جوابها ( نو ) مصحوبا بحركة من رأسها تفيد ذات معنى الكلمة ثم تجيبك باسترسال عما سألت عنه.
لم يلحظ أحد منا متى بدءا اللعب ولا كيف تعارفا. ولم يكن يبدو عليهما في الحقيقة أي حوار منطوق. رحاب لا تعرف من الانجليزية إلا كلمة واحدة هي ( نو ) وعلى عادة الأطفال حين يتعلمون كلمة جديدة فإن رحاب تكرر ( نو ) في كل أحوالها فحين تطلب منها شيئا أو تسألها عن اسمها أو ماذا فعلت اليوم يكون أول جوابها ( نو ) مصحوبا بحركة من رأسها تفيد ذات معنى الكلمة ثم تجيبك باسترسال عما سألت عنه.
>
أراقبهما والطفلة الروسية تمد إليها يدها بجاروفها الصغير وهي تتحدث بجملة تردها رحاب بكلمتها الأثيرة التي تعلمتها ثم تأخذه منها وتساعدها في ملء الدلو الصغير. كانت رحاب أسرع كثيرا في بنائها لبيتها، تبنيه وتهدمه قبل أن تتم (لاستين) ملء دلوها الذي كانت أمها تصفق لها بحرارة عندما تنتهي منه.
أراقبهما والطفلة الروسية تمد إليها يدها بجاروفها الصغير وهي تتحدث بجملة تردها رحاب بكلمتها الأثيرة التي تعلمتها ثم تأخذه منها وتساعدها في ملء الدلو الصغير. كانت رحاب أسرع كثيرا في بنائها لبيتها، تبنيه وتهدمه قبل أن تتم (لاستين) ملء دلوها الذي كانت أمها تصفق لها بحرارة عندما تنتهي منه.
>
عرفت اسمها من رحاب وهي تعلمها كيف تبني البيت سريعا. تناديها به عند كل أمر أو فعل جديد تريد أن تفعله. تعلمت لاستين سريعا كيف تشارك رحاب بناء بيتها كما تريد. بعد ساعة كنت أشعر أن كلتيهما تكمل الحركة التي بدأتها الأخرى بتلقائية جميلة.
عرفت اسمها من رحاب وهي تعلمها كيف تبني البيت سريعا. تناديها به عند كل أمر أو فعل جديد تريد أن تفعله. تعلمت لاستين سريعا كيف تشارك رحاب بناء بيتها كما تريد. بعد ساعة كنت أشعر أن كلتيهما تكمل الحركة التي بدأتها الأخرى بتلقائية جميلة.
>
أسأل رحاب: كنتي بتلعبي مع مين؟
- دي لاستين صاحبتي؟
- عرفتيها منين؟
- هي كانت قاعدة تلعب لوحدها وبعدين لعبت معايا وبعدين بقينا صحاب.
أسأل رحاب: كنتي بتلعبي مع مين؟
- دي لاستين صاحبتي؟
- عرفتيها منين؟
- هي كانت قاعدة تلعب لوحدها وبعدين لعبت معايا وبعدين بقينا صحاب.
>
لا تعرف رحاب من أي بلد أتت لاستين ولا أي لغة تتحدث. ومع ذلك بقيت معها كل النهار حتى نادتها أمها وهي تستعد للرحيل.
لا تعرف رحاب من أي بلد أتت لاستين ولا أي لغة تتحدث. ومع ذلك بقيت معها كل النهار حتى نادتها أمها وهي تستعد للرحيل.
>
انشغلت فلم ألحظ وداعهما كما لم ألحظ تعارفهما. كانت رحاب قد انهت جمع ألعابها وعادت إلينا ولاستين أيضا قد وصلت إلى طاولتها.
انشغلت فلم ألحظ وداعهما كما لم ألحظ تعارفهما. كانت رحاب قد انهت جمع ألعابها وعادت إلينا ولاستين أيضا قد وصلت إلى طاولتها.
>
قبل أن نرحل ألقيت نظرة إلى آثار بيوتهما. كان هناك طفلين قد هدماها و نشروا أدواتهم لبناء جديد.
قبل أن نرحل ألقيت نظرة إلى آثار بيوتهما. كان هناك طفلين قد هدماها و نشروا أدواتهم لبناء جديد.
Apr 18, 2009
Slit Lamb
حولنا .. وفينا أشياء صغيرة لا ندركها. يسكنها من الجمال ما لا يمكننا تخيله. تماما كما أخفى الله عنا جمالا في قاع البحر. لا يراها إلا الذي يسعدهم الله بذلك . وجمالا في السماء البعيدة حين تكون متوسدا سحبها تشرف على العالم من علٍّ.
الولع بالتكبير جعل عوالم كثيرة لم نكن نراها تظهر لنا بكل الحسن الساكن فيها. والعين رغم أنها في ظاهرها كبيرة مرئية. إلا أننا حين نراها بتفاصيلها الصغيرة. حركة الجفون وهو توزع عشاء الدمع. انعكاس الصورة على القرنية . تتابعات حركة القزحية مع الضوء، ثنيات القزحية وتعرجاتها وألوانها. كل ذلك وسواه لا يمكننا ان نمنع أنفسنا عن الانبهار في كل مرة نرى فيها ذلك.
أي سحر عظيم يسكن العين. هذا السحر هو ما جعلها تستحق أن تكون بوابة النفس عند الشعراء" والعين تعلم من عيني محدثها إن كان من حزبها أو من أعاديها" وبوابة الجسد ونافذته التي تعرف منها الكثير من الأمراض عند الأطباء"Eye In Systemic Diseases" .
********
بعض الأسرار لا تبدو واضحة لنا حين نستخدم الضوء الكثيف المباشر. يخفي الضوء عادة تلك الأسرار بسهولة. لكننا حين نحتال لذلك بضوء هادئ من زاوية ضيقة ييتضح هذه الأسرار بسهولة أكثر.
هذا ما أتعلمه وأنا أتعلم فحص العين. لا تبوح العيون بما نريد من أسرارها عادة حين يغشاها ضوء ساطع رغم أنه يجعلها أكثر وضوحا وجمالا. ما يجعلني أقول إن النور قد يكون أكثر أمنا على أسرارنا من الظلام.
**********
في فيلم قديم شته معاد امبارح اسمه Inner space .. وهو أحد الأفلام التي قامت على فكرة التعامل مع عالم الإنسان الداخلي على أنه عالم ضخم كبير . الفيلم يصورها بروعة كبيرة . في فيلم تاني لا أعرف اسمه كان قائم على نفس الفكرة في محاولة لفريق من الأطباء ادخال فريق عمل داخل جسم احد القادة العسكرين لإذابة جلطة في دماغه ..
حد فيكو شاف قلبة وهو يعمل من الداخل .. وكأنك تسكن فيه ..
*******
Slit Lamb
هو أحد المناظير التي ترى العين به وفيه تكبر الصورة عشر إلى ستة عشر مرة
Mar 21, 2009
Subscribe to:
Posts (Atom)


