Dec 27, 2009

صانع السحاب



صانع السحاب

كنت إذا جاء الشتاء أفرح بالهواء المتكاثف حين يخرج من فمي أبيض سرعان ما يتلاشى ، وفي يقيني أنه صاعد إلى السماء يتجمع وينعقد مع ما يخرج من أنفاس الناس؛ ليَكون هو السحاب الكبير الذي في السماء. فأجتهد لتكون سحابتي أكبر وأظل أُخرج الهواء من صدري بكل ما أطيق وأنا أتخيله صاعدا في السماء يبحث عن سحابتي ليذوب فيها.

وكنت أراقب السحاب في السماء وأسميه بأسماء من أعرف، فالصغيرة المقطعة هي ما كان من زفير "عم علي" صديق أبي لأنه لا يكف عن السعال من سجائره الكثيرة، ونفسه دائما قصير مقطع. والبيضاء الواسعة التي لا تحجب زرقة السماء هي سحابة صديقي "حامد" هادئة بهدوئه، خفيفة بخفته. أما البيضاء الشاهقة فهي سحابة "سماح" ابنة أستاذ الرياضيات التي رأيتها معه في حفل المدرسة.

سحابة أبي كبيرة كثيفة تظلل السماء حين تظهر كأن لها أذرعا من الظل تمتد إلى بعيد. أما سحابتي فلم تكن تستقر على شكل واحد، فهي في الصباح على هيئة وفي الظهر على غيرها. أعرفها لا بالشكل وإنما بالحنين الذي يجذبني إليها حين تظهر، وتكون أجمل ما تكون إذا ظهرت عند إنكسار الشمس بعد العصر. ملونة الأطراف بلون الذهب، محتضنة بياضها في قلبها، ناشرة ظلها قُبلة على خد الأرض.

سحابة البحر كبيرة ثقيلة. يشاركنا صناعة السحاب حين يتنفس. صدره الواسع القوي يرفع الهواء الأبيض كثيفا إلى السماء. فرحت حين علمت ذلك لكنني خشيت أن تغرق سحبي الصغيرة الضعيفة بين سحبه الكبيرة القوية. أخبرتني السماء أنها لا تُغرق الأشياء التي ترفعها فيها إنما تمزجها ثم تنقيها حتى تصفو .. لتعيدها إلينا من جديد بكرا عذبة.
أفرد ذراعي بطولهما لأجمع ما تلقيه السماء من أنفاسنا وأنفاس البحر. أرد رأسي للوراء لتزيد المساحة التي تتلقى رسائل السماء مني. هكذا يتعارف البشر وهكذا يحبون. من تغسلنا السماء بأنفاسه نحبه. لذلك نحب البحر جميعا ولا يكرهه منا أحد. نحس أنه أقرب إلينا لأن أنفاسه تغسلنا كل مطر. وتسكننا حين نملؤ بها صدورنا مع رائحة الندى كل صباح.

السحاب أنفاسنا معلقة في السماء، يرسلها الهواء كيف يشاء. يحملها رسائل إلى الأرض الميتة فتهتز فرحة وتربو حين يدب النفس فيها حيا من جديد.

ويرسلها إلى القلوب المتلهفة، يغسل عنها شيخ انتظارها فتعود صبية خفيفة كأنها ما انتظرت، بكرا كأنها ما جرحت.
ويرسلها إلى الأطفال يتمرغون فيه، ينامون على الأرض التي بللها، لا يمرضون. يرشون الماء حيث وصلت أياديهم ويعودون مبللين ينشرونه حبا حين لا يمكنه هو أن يصل، على الدرج وفي أركان الغرف، وفي خزانة الملابس.

* * * * *

وجاء الشتاء ولم أستدل على سحابتك بين سحبه القليلة. أملأ صدري بالهواء المندى حين ألمح رائحة المطر وأرجو لو يتسع صدري لئلا تفوتني منه ذرة تكون قد خرجت منك، فلا أجد أثرك فيه وأحسه باردا يؤلمني.

ترحل السحب بعيدا دون أن تمطر، فنصبح والسماء صافية أكثر الأيام. والشمس تسارع لتجمع الندى المبعثر في الهواء فلا يبقى لي شيء أبحث فيه.

أكفَّ الناس عن إرسال السحب إلى السماء فغضبت؟ وإن فعلوا فهل سار البحر سيرهم ولم يعد يتنفس. وأين تصل رسائل السماء ولم تعد تفرغها حولي.

سأرحل خلف هذه السحب ما رحلت، أبحث عنك في المطر وفي الندى. وسأملأ الهواء بسحبي الصغيرة أرسلها في السماء. تحملها إليك.

السماء لا تخذل من يحبها، تحمل رسائله حيث يريد.
ستمطر سحابتي حولك.
وستعرفينها من رائحة الياسمين الذي ينبت منها.
ياسمين سحابتي لن يشبه ياسمين سحاب البحر.
ياسمين سحابتي يحمل لك الدفء حين تمسه يدك، و يملأ نفسك بهجة حين يرحل سعيدا في أنحائك.
املئي منه صدرك ما استطعت ..
أغلقي عينيك لتصحو عين روحك فتعرفني فيه ..
في ياسمين سحابتي
بعض روحي.
ستحملك إليّ حيث أكون ..
وتكونين.


Dec 23, 2009

لعبة الألوان




- مدعو أنا إلى لعبة الألوان من هدى. والألوان عطور العين، تعرف بأثرها، ولا نمسكها.

الدنيا بغير الألوان أهدأ. أقل ضجيجا .. وأرحب.

هذا ما يفعله الرمادي بالأشياء. تصمت فجأة لنحس روعة الصمت، ووحشة الوحدة.

الفيزيائون يسخرون منا، يقولون إنه لا وجود للألوان إلا في أذهاننا. وأن الضوء طاقة والطاقة لا لون لها. ثم يشرحون لنا أن الأشياء تعكس الضوء بأطوال مختلفة. ترصدها أعيننا بمستقبلات مختلفة.

وأذهاننا تتم خداعنا وتلون لنا العالم.

كمن يريد أن يثبت لنا أنه لا وجود للنار وأننا حين أجرب أن نمسكها .. سنكتشف أننا نمسك الهواء. وحين نخبره أننا احترقنا يشرح لنا أن الهواء اكتسب طاقة والنار لا وجود لها في الحقيقة.

النار أول الألوان. منها ولد الأحمر أطول الأمواج. والموجة التي تكبر عليه لا تراها العين احتراما له. الأحمر يوقظ النائم ويحمل الخطر. الأحمر سر الحياة وذروة الحب. الأحمر لا ينبغي أن يأتي مجردا..

برّده بالأزرق يعشب ويخضرّ.

أو هدّئه بالأصفر يبتهج ويرقص إذ يغشاه انكسار البرتقالي المرح.

أو هبه كثيفا يعتريه الظلام. قرمزيا يجمع شتات نفسك المترامية ، وقلب حبيب ساه. يفصلك ويفصله عن كل لون وكل صوت وكل حياة. فتدب الحياة مركبة كثيفة في نفسك وفيه.

دفّئ به بردك وهذب وحدتك.

وحين يقصر الأحمر يولد الأصفر.

المجرد منه فيه رعشة لذيذة. ليست كرعشة البرد الأزرق .. إنما رعشة كرعشة الليمون تنعش وتبهج وتضحك.

والأزرق القصير المدلل. عقم بعده الضوء فلم يُر، وعز قبله فكان لون الحياة البريئة المجردة. الأخضر أكبر منه ويسبقه. يطيعه ولا يعصي الأحمر.كواسط الإخوة جمع العقل والتجربة والنسيان.

الأزرق يكون هادئا وكثيفا، صافيا ومركبا. عذبا أو بكدر. هو حيث حلّ باردٌ آمنٌ قوي. في السماء سعة، وفي البحر قوة، وفي الجدران التئام شملٍ، وفي الثياب وقار.

وهو في العينين سعة وقوة والتئام وغزل.

الأسود السيد، قائم في غيابهم وحين يحضرون متزاحمين. فخم فاخر، متوحد تعلو به الألوان وتسفل. تفتح وتغلق، تقوى وتضعف، تقدم وتحجم، وهو هو عال قوي.

الأبيض .. حانٍ .. مغوٍ .. برئ. لا يحمل إثم غوايته لأنه لا يعيها. هي أصل اكتماله، هي سحره. لولا الغواية فيه ما امتد إليه طرف. والذين عرفوا فيه هذا جعلوه لون البداية.

والبداية .. محض غواية.

وهو المصلح ما يفسده السيد .. يضعف ما قواه ويفتح ما أغلقه .. وزيره الذي يصله برعيته ويصالحهم عليه.

الذهبي .. غريب بين الألوان لا يعرفه منهم أحد. وحيد في جنسه يصطفيه السيد وحده مالك سره



Dec 14, 2009

عيونك حلوين





- احكيلك حكاية؟
- احكي.
- شايف البحر شو كبير....
- قديمة .. حكتها فيروز قبلك .
- لا ما حكتها. فيروز من وين بتعرفك لتحكيلك "كبر البحر بتحبك". أنا بعرفك منشان هيك بحكي كبر البحر بحبك إلك أنت؛ محمد اللي ما بتعرفه فيروز وبعرفه أنا.. الأغاني ما بتاخد معناها من مين غناها .. لأ .. منا احنا لما بنغنيها. بعدين فيروز ما بتعرف تحب أصلا .. حدا بيقول "بدي أندر شمعة وتخليني حبك" ، هلأ الحب بيستنى شي إذن ولا بيطش طش..
- بيطش طش !!
- إيه ... بطش .. بتحبني ؟؟
- إنت شايفة إيه؟
- بتحبني .. بعرف .. مبين من عيونك .. لأنو لو ما بتحبني ما بقيو حلوين هيك.. قلتلك قَبِل إنو عيونك حلوين ؟!




فـــرَج



فـــرج

كان سيء الخلق سيء الدين. لا يحبه أحد ممن حوله، ولا يستطيعون الانصراف عنه. ذراعه على الدوام معلق بذراع طبيب أو ممرضة أو ساع، وبين سبابته المقطوعة في كفه الآخر ووسطاه سيجارته التي لا تنطفئ، وفي أذنيه سماعة هاتفه التي تحول لونها الأبيض إلى سواد يثير النفس. ولا أدري لماذا يصر عليها بلونها المستحيل هذا ولا يغيرها إلى واحدة سوداء لا يظهر فيها الاتساخ. لكن أحدا لا يمكنه معاتبة "فرج" أو إبداء الرأي فيما يفعل.

يدير أعماله كلها من حجرته بعناية القلب بالمستشفى، فِرِِقاً لإحياء الأفراح وتعهدات لجميع الحفلات أيا كانت وفي كل مكان. ثم فتياتٍ يدفعهن إلى من يريد "تربيته" لأنه استهان به ولم ينصت إليه وهو يحكي بطولاته التي لا تنتهي.
عبثا حاولنا أن نفهم لماذا لا يخرج "فرج" أبدا من سجلات المستشفى. إنه النزيل الدائم لعناية القلب. والعناية قسم طوارئ سريع التغيير لمرضاه، فما أن تنتهي مشاكل المرضى الطارئة التي تحتاج لعناية فائقة حتى ينقلون إلى الأقسام الداخلية أو تنتهي أعمارهم فينتقلون إلى حياة أخرى. أما فرج فلم يكن يشفى أو يموت.

بل لقد كان يموت.

مات فرج قبل ذلك أحد عشر مرة، منذ تسلمت العمل إلى اليوم. مات في الحقيقة لا في المجاز. توقف قلبه المريض المثقل بغضبه علينا جميعا، وفي كل مرة كنا نقوم فيها بتنشيطه يستجيب. حتى أصبحنا مقتنعين أن الموت يزور فرج كما يزور البرد عوامّ المرضى؛ يرحل عنهم سريعا دون أثر أو علامة. وأصبحت عبارة كـ "فرج دخل في أرريست" لا تحمل من المعاني إلا ما تحمله عبارة كـ "فلان جاله برد" .. فيكون جوابنا الأول "ألف سلامة ، هيبقى كويس لوحده".

حاولنا زحزحته كثيرا وكنا دائما نفشل. لا نعلم أي شيء وراءه. فحين يستغل أحد النوّاب غيابه خارج المستشفى لعمل من أعماله ويكتب على تذكرته: "خروج لعدم التواجد". تكون أول عبارة يكتبها أخصائي القسم على تذاكر المرضى: "بالمرور على القسم وجد أن المريض فرج المنزلاوي موجود........ثم: يكرر العلاج السابق".

وحين يصدر المدير أمرا شفهيا بعدم التعامل مع فرج يكون كتاب مدير الإدارة أسبق من أمره ومعلق على باب القسم وفي الاستقبال وفي كل مكان في المستشفى: بأن المريض فرج المنزلاوي حالة هامة يُلزَم الجميع بالتعامل معها وتقديم الخدمة المطلوبة منها ويحظر على الأطباء فلان وفلان الاقتراب منه أو التعامل معه لأن ذلك يعرضهم للمساءلة." وفلان وفلان هما طبيبان لا يحبهما المريض فرج ولا يأمن على نفسه معهما.

تذكرة فرج تزيد عن خمسين صفحة. فيها علاجه الذي يمليه هو على أي طبيب ولو كان طبيب عظامٍ لا علاقة له بشكاواه. وفيها أيضا كل عجز القسم وأقسام أخرى؛ فما من ممرضة يتلف لها دواء أو يُسرق إلا ويدون على تذكرة "فرج" الذي لا يُسأل عما أخذ وما ترك.

وحين يغضب فرج من أحد فإن أول ما ينسب إليه تعدٍ على فتاة بفعل لا يليق. وفتياته اللاتي لا يردندن له طلب كثير. وكم نسبت هذه الصفة لأطباء لم يرض "فرج" عنهم. وكنا نعرف الممرضة التي لم تمتثل لشيء من طلبات فرج حين تنقل من القسم وبحكايات تمس عفتها بعد ذلك. حتى أصبحنا نعرفها علامة على ذوات النفوس الصافية. لكن قول "لا" لفرج ليس سهلا وربما صح أن نقول عنه أنه ليس ممكنا دائما. فمن سلم من هذه العقوبات كان موعده في قس دم التحقيقات في الوزارة بتهم كثيرة جدا أقلها الإهمال في مهام عمله. ولدى "فرج" دائما أدلة لا تدحض.

ومهما يكن من أمر فحين يقصده أحد في قضاء حاجة ولو كانت في مكتب الوزير ذاته فإنها تنقضي ولم يتحرك. يتقاضى فرج أجورا يحددها على قدر المهمة. فأجر النقل بين المستشفيات يختلف عن أجر النقل بين المحافظات. يختلف بالطبع عن أجر إضافة اسم في كشوف الترقيات دون استحقاق.

* * * * *

"كود بلو"

مرة أخرى يتوقف قلب "فرج" ونسرع إلى العناية. نزدحم حول السرير الذي ينام عليه. تقف ممرضة بمنظار الحنجرة عند رأسه وتجهز الأخرى جهاز الصدمات الكهربائية وطبيب العناية يتصبب عرق جبينه وهو يضغط على صدر فرج كل قوته مرات كثيرة سمعنا منها صوت ضلوعه تتكسر. وأنا أتابع شاشة رسام القلب بيقين من عودته وأنا أضحك مع ممرضة تجاورني:

" دلوقتي هيقوم زي القرد، فرج مش هيموت بأرريست أبدا".

ولم تتم الجملة حتى كان الرسام قد بدأت خطوطه تترى دون انتظام. مرت لحظات قبل أن تنتظم ودقائق بعدها فتح فرج عينيه التي جالت فينا جميعا وصوته واهن وهو يقول:

" يا ولاد الكلــب"



Dec 4, 2009

قراءة من إشراق بصوت هدى فايق || حفل توقيع القاهرة 18 أكتوبر



Dec 3, 2009

من ذاق طَعِم || صالون مغامير



"الأوضاع اللغوية إنما هي للمعاني المتعارفة، فإذا عرض من المعاني ما هو غير متعارف اصطلحنا عن التعبير عنه بلفظ يتيسر فهمه منه فلهذا اختص هؤلاء (يعني المتصوفة) بهذا النوع من العلم الذي ليس لواحد غيرهم من أهل الشريعة الكلام فيه."

بهذه العبارة يوضح ابن خلدون العلة التي أوجد لأجلها الصوفية لغة جديدة غير معهودة. إذ الكلمات هي العالم في الحقيقة. الكلمات ليست أحرفا ورموزا فحسب. هي مادة التفكير والتعبير. مادة العواطف هي مادة الحياة كلها.

لأجل ذلك اهتم الصوفية اهتماما خاصا بها. تحسسوا مسّ الكلمات وأنفاسها. وخلدوا عالمهم في كلمات ظلت مثار جدل طويل في التراث العربي.

رغم هذا الجدل إلا أنها تظل ألحانا ثرية زاخرة. تطرب الذي يتذوقها والذي يفهمها والذي يمر عليها من بعيد غير مدرك ما هيّتها.

يقدم الصالون وليد خطاب كاتب قصة قصيرة من جماعة مغامير الأدبية , وله مجموعة قصصية صادرة عن دار مزيد بعنوان "مكتوب على الحافة"
مستضيفا الكاتب الطبيب: محمد العدوي. كاتب روائي له مجموعة قصصية صادرة عن دار اكتب بعنوان "عندما يضحك البحر" ورواية عن دار الفكر العربي تحمل اسم "إشراق" .

وسيدور الحديث حول العناصر التالية :

- مقدمة في التصوف
- أهمية الموضوع ليفرد له صالون
- أغراض الكتابة عند المتصوفة
- قيمة اللغة عند المتصوفة
- مادة الكتابة مصادرها
- خصائص الكتابة النثرية .. والشعرية مع بعض النماذج
- التجربة الحديثة في استلهام الكتابة الصوفية ..

في انتظاركم

موعدنا السبت 5-12-2009

بمكتبة البلد

الساعة السادسة مساء

تسجيـــل الصالون يمكن تحميله من هنا


Dec 1, 2009

لعب كبيرة



كانت لي سيارة كهذه وأنا صغير، حمراء كنت أحبها.. بعد سنين لم تعد تسعني وبقيت أحبها... لكنني أدركت أنني حين أكبر لا تكبر لعبي معي .. لو أنهم يصنعون لعبا تكبر معنــا)).

Nov 30, 2009

ألمــاس أسود



رجل وأمرأة كأنما كانا ذرتين متجاورتين في طينة الخلق الأزلية ، وخرجتا من يد الله معاً . هي بروعتها ودلالها وسحرها وهو بأحزانه وقوته وفلسفته ، فكان منهما شئ إلى شئ كما توضع زجاجة الحبر الأسود إلى جانب يتيمة من الألماس أجيد نحتها وصقلها ، وتكسر على جوانبها شعاع الشمس فإذا هي من كل جهة ثغر يتلألأ ، وإذا بالزجاجة ولو على المجاز (( الماس أسود)).
الرافعي || رسائل الأحزان

Nov 28, 2009

عطر



تقول الاسطورة التي لم ترو إن العطور كانت يوما ما أرواح محبين هائمة في الجنة، ثم جعل جزء منها في الأزهار، ثم حاول البشر استحضار هذه الأرواح فاستخلصوها من الأزهار لتكون معهم.. لذلك تكون أكثر هدايا المحبين .. عطورا ساحرة

Nov 15, 2009

أم الدنيا



الجملة التي أقرؤها مما حدث في الأيام الماضية أننا شعب من اليسير جدا ان يجتمع على هدف عام واحد بمجرد النقر اللطيف على عاطفته. حين يأنس في شخص ما الثقة والأمان ، وهو ما حدث مع المنتخب وحسن شحاتة الذي رغم من يحملون عليه وعلى لاعبيه إلا أن له شيئا يمكن تسميته منجزا كان مبدأ الثقة والامل فيه .. مصر عاوزة رمز نضيف تحس معاه بالأمان لتكون أم الدنيا بجد .. هو فيه أم من غير أمان وحضن دافي.

Nov 14, 2009

من ذاق طعم // 1



الألفاظ ذائعة الشهرة والاستخدام يصعب الحديث حولها؛ لأنه بقدر ما يجعلها الانتشار معروفة للجميع يجعلها غامضة غير واضحة. ذلك أن توهم المعرفة الذي يصاحب كثرة استخدام مصطلح ما يصرف غالبا عن البحث وتتبع الحدود المخصوصة للكمات والأشياء.

لعل أكثر الكلمات شيوعا والتي يمكن أن نطبق عليها هذه الفكرة هي كلمة الحب الصغيرة. وليس شيوع الكلمة وحده هو ما يجعلها تقع في هذه المنطقة. بل لأن الحب عاطفة تتصل بجميع البشر دون النظر إلى مكانهم من خريطة المعرفة أو الدراسة أو التفكير. وهي بذلك ملك للجميع ولا يُقبل أن يدّعي أحد امتلاكه وحده المعرفة الكاملة فيه. أو يرى تجربته أولى بالتعميم والاتباع.

الحب إذا تجربة خاصة يختلف منهجها باختلاف أقطابها وظروفهم. بل وتختلف معاني النتائج فيه أيضا. مقدماته المتشابهة لا تنتهي إلى نهايات متشابهة. ثم هي نتائج بالغة الخصوصية في العادة لا تمس إلا القائمين بالتجربة، وإن تعدتهم فبالقليل.

أبدأ هذه البداية لتنقلني إلى كلمة أخرى أكثر مسا وشيوعا وجدلا هي "الدين والتدين". ووجه الشبه هنا هو الشيوع أولا، ثم هو خصوصية التجربة للفرد. غير أن تجربة الدين ليست مطلقة المنهج، حرةً في دروبها كما هو الحال مع تجربة "الحب" من حيث هو عاطفة بين البشر، لا في الذين يدينون بالأديان السماوية ولا عند من يتبعون مناهج بشرية موضوعة.

الدين تجربة معلومةُ الخطوات والحدود، والمساحة المتروكة للتجريب الحر فيه ليست واسعة في العادة. وكلما قرُب الدين من تحقيق التوازن بين الرغبة الكامنة في البشر للمعرفة والتجريب وبين حدوده الصارمة الموضوعة
لهم كان أكثر قبولا في النفس محققا لها الأمان الذي تنشده.

وعليه فإن البشر جميعا مشتركون في هذه التجربة على اختلاف معطياتها وخطواتها وما يتوقع أن تنتهي إليه في كل جهة من جهاتهم المختلفة. هذا الاشتراك يجعلنا نضع سؤالا هاما هنا: إلى أي مدى يحملنا التشابه في العلة والاسم ونحن ندرس هذه التجربة، وهل يصح التعامل معها جميعا بقيم واحدة ثابتة؟

لكي نجيب هذا السؤال نضع سؤالا آخر أولا: من أين ينبت الدين في النفوس؟
سأتجاوز كل النظريات التي وضعت في ذلك، إلى الاعتقاد الذي ندين به نحن المسلمون. وهو: "وإن كانت الحاجة للتدين فطرة وإن كنا نؤمن بأن البشر قادرين بهذه الفطرة على الاستدلال إلى ما ينبغي عليهم عمله إلا أن المناهج السماوية التي وصلت إلينا عن طريق الرسل لا يمكن إهمالها أو التعامل معها كأن لم تكن." وهي العبارة التي يقصر الحديث هنا عن إثباتها أو التدليل عليها اختصاراً.

ونحن بهذا نجمع كلا النهجين في التفكير في هذه القضية، المادي القائل بأن الدين غريزة موجودة بالفطرة والغيبي القائل برسالة سماوية هي الدليل وهي المنهج. الدين إذا تجربة معلومة الخطوات والحدود.
أقول كل ذلك لأنتهي إلى أن تجربة التصوف في الإسلام تجربة خاصة به وإن تشابهت مع تجارب إنسانية أخرى فلا يمكننا وضعها معها في نفس المنطقة أثناء دراستها والتعامل معها. فلا المعطيات ولا الخطوات ولا الغاية منها واحدة.

لقد قام التصوف في الإسلام على أنه تجارب روحية خاصة غايتها الوصول إلى الله من طريق الله. ولعل أبرز العبارات التي ينبغي التوقف عليها هي قول ابن خلدون في المقدمة:
"هذا العلم من العلوم الشرعية الحادثة في الملة وأصله أن طريقة هؤلاء القوم لم تزل عند سلف الأمة وكبارها من الصحابة والتابعين، طريقة الحق والهداية، وأصلها الوقوف على العبادة والانقطاع إلى الله والإعراض عن الحياة الدنيا والزهد فيما يقبل عليه الجمهور من لذة ومال وجاه والإنفراد عن الخلق بالخلوة وكان هذا عاماً في الصحابة والسلف فلما فشى الإقبال على الدنيا في القرن الثاني وجنح الناس إلى حب الدنيا اختص القائمون على العبادة باسم الصوفية" انتهى

إنها تجارب قامت بمعدلات محسوبة في ظروف معلومة لم يتعد فيها منهم أحد وقد قال القشيري في أول رسالته:

"اعلموا، رحمكم الله، أن شيوخ هذه الطائفة بنوا قواعد أمرهم على أصول صحيحة في التوحيد، صانوا بها عقائدهم عن البدع ودانوا بما وجدوا عليه السلف وأهل السنة من توحيد ليس فيه تمثيل ولا تعطيل، وعرفوا ما هو حق القدم. وتحققوا بما هو نعت الموجود عن العدم.

لكننا مع ذلك نجد فيما وصل إلينا أحوالا عدها الفقهاء شططا وصل أحيانا إلى التكفير. ولعل في حديث ابن طفيل وهو يبدأ رسالته "حي بن يقظان" شيئا يعلل ذلك:

"غير أن تلك الحال لما لها من البهجة والسرور واللذة والحبور لا يستطيع من وصل إليها وانتهى إلى حد من حدودها أن يكتم أمرها أو يخفي سرها، بل يعتريه من الطرب والمرح والسرور ما يحمله على البوح بها. فإن كان ممن لم تُحذقه العلوم قال فيها بغير تحصيل، حتى إن بعضهم قال في هذه الحال: "سبحاني ما أعظم شاني"، وقال غيره : "أنا الحق" وقال غيره: "ليس في الثوب إلا الله". وأما الشيخ أبو حامد الغزالي فقال متمثلا عند وصله إلى هذا الحال بهذا البيت :

قد كان ما كان مما لست أذكره // فظن خيرا ولا تسأل على الخبر

فإنما أدبته المعارف وحذقته العلوم" انتهى.

هذا من جهة، ومن جهة أخرى ما وقع للناس من استغلاق الفهم لحديثهم في وصف أحوالٍ لم يعاينها الناس، واستخدامهم لغة لم يعهدوها. فتجد حول شخص واحد مثلا كتابين "تنبيه الغبي إلى كفر ابن عربي" للبقاعي، و "تنبيه الغبي في تبرئة ابن عربي" للسيوطي.
يصف ابن خلدون ذلك في المقدمة:

"ثم لهم مع ذلك آداب مخصوصة بهم واصطلاحات في ألفاظ تدور بينهم. إذ الأوضاع اللغوية إنما هي للمعاني المتعارفة، فإذا عرض من المعاني ما هو غير متعارف اصطلحنا عن التعبير عنه بلفظ يتيسر فهمه منه فلهذا اختص هؤلاء بهذا النوع من العلم الذي ليس لواحد غيرهم من أهل الشريعة الكلام فيه. وصار علم الشريعة على صنفين صنف مخصوص بالفقهاء وأهل الفتيا وهي الأحكام العامة في العبادات والعادات والمعاملات، وصنف مخصوص بالقوم في القيام بهذه المجاهدة ومحاسبة النفس عليها والكلام في الأذواق والمواجد العارضة في طريقها وكيفية الترقي منها من ذوق إلى ذوق وشرح الاصطلاحات التي تدور بينهم في ذلك. "

التصوف ذوق، لذلك قالوا: من ذاق علم ومن لم يذق حرم. وحين حاولوا وصف ما ذاقوا أكسبوا اللغة صورة عذبة حية. مسوا منها الخفي من أنفاسها وكوامنها. وهو ما أتمنى أن نبحث فيه معا متذوقين مستمتعين.
ومنورين

Nov 7, 2009

على النيل الثقافية




برنامج أجندة
النيل الثقافية
3 نوفمبر 2009

Nov 5, 2009



ولدي أحمد :

سلام الله عليك وعلى إخوتك ووالدتك وبعد ففي إحدى الليالي رأيتك في منامي تجلس على رجلي بينما تداعبني سمية (أختك) ، أما أنت يا أحمد فقد كنت عجيبا . سألتك : هل تحبني؟ فهل تعرف بم أجبت يا أحمد! لقد أجبت بالقليل الكثير.

لقد قلت يا أحمد وكان في وجهك معان كثيرة قرأها قلبي قبل أن يقرأها عقلي .. لقد قلت لي : "الراجل يحب الراجل" وأعاهدك يا أحمد أني سأحاول أن أكون رجلا. وأسأل الله وادع معي عسى يستجيب الله وأكون رجلا يملأ عينك و تفخر به.

هذه السطور من رسالة قديمة لجدي كتبها لأبي .. تاريخها 3 مارس 1958 .. أي قبل أن يتم أبي عامه السادس بعشرة أيام .. أقرؤها الآن وفي نفسي ذات الأمنية .. أن أكون رجلا ..

Oct 28, 2009

الإخوان المسلمون مظلومون في رواياتنا




لقائي مع شبكة الإعلام العربية محيط حول إشراق
28 / 10 / 2009


Oct 27, 2009

سافرة .. يعني وضيئة




هذا الحديث لا علاقة له بالحجاب ولا بالنقاب ولا بأي شيء مما يثير شهية الراغبين في الثرثرة إنما الفكرة كالتالي :

تولد الكلمات ولها معان تدل عليها. ثم تسير مع الناس والزمان وتتغير دلالاتها من عصر لعصر. فيزيد استخدامها أو يسقط عنها بعض ما كانت تدل عليه. واختلاف الدلالة للكلمة الواحدة يمكننا الاعتماد عليه بصورة ما في تتبع التغير الذي مر على الفكر المستخدم لهذه اللفظة .. مادامت اللغة في الأساس هي مادة هذا الفكر .

أوضح ما أريد قوله بهذين المثالين . وكلاهما في التعابير التي استخدمت لوصف المرأة الجميلة:

كان التعبير الأول هو لفظ (السفور) والذي نبحث عنه في المعاجم في مادة ( س ف ر ) لنجد الآتي:

وسَفَرَ الصُبْحُ يَسْفِرُ، بالكسر، سَفراً: أضاءَ وأشْرَقَ، كأسْفَرَ، وأنكرَ الأصمعيّ أسْفَرَ.وفي البصائر، والمُفْردات والإسْفارُ يخْتصُّ باللون، نحو والصُّبحِ إذا أسْفَرَ. وامرأة سافرة أي مُشْرِقةٌ مضِيئةٌ. وفي الأساس: ومن المجاز: وجْهٌ مُسْفِرٌ: مُشْرقٌ سُروراً. وفي التهذيب: أسْفرَ الصُبحُ، إذا أضاءَ إضاءَةً لا يُشَكّ فيه،ومنه قولُه صلى الله عليه وسلم: "أسْفِروا بالفجْرِ فإنه أعْظَمُ لللأجْر"

وفي أساس البلاغة : وجه مسفر وامرأة سافرة ونساء سوافر .. ومنه "وجوه يومئذ مسفرة" يعني مشرقة. وايضا "والصبح إذا أسفر" يعني أضاء.

وللشريف الرضي: سفرن فأبدلن الدّياجِيَ بالضُّحى || وأجريْنَ من تلك العشيّات رَوْنقا

ولفتيان الأسدي: سَفَرنَ بدوراً وَاِنتَقَبنَ أَهِلَّةً || وَمِسنَ غُصونَ البانِ وَالبانُ مَيّالُ

فالكلمة التي استعملت أول ما استعملت في وصف المرأة مكشوفة الوجه كانت تحمل في تركيبها معاني الضياء والإشراق في الأساس. فيكفي اللفظ للتدليل على الوضاءة فإذا اقترن بالبدور كان أوضح .. وهؤلاء السوافر إذا انتقبن ولم يبد منهن إلا هلال وجوههن كن "أهلة".

وإذا أستحضرت حديث حجة الوداع الذي رواه عبد الله بن عباس رضي الله عنه "قال كان الفضل رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم فجاءت امرأة من خثعم وضيئة، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، وجعل النبى صلى الله عليه وسلم يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر"

ولا أورده هنا إلا للتدليل على أن العرب لم تكن تستنكف أن تصف الحسن في المرأة بما هي أهله إذا استلزم الحديث ذلك بغير ابتذال كما هو الحال هنا والراوي هو سيدنا عبد الله بن عباس ترجمان القرآن. وهذا لا ينفي بالطبع المجون من حديثهم إنما أريد هنا الحديث المعتاد لا حديث الملاهي.

ثم بعد ذلك تحولت الكلمة من التعبير الوجه المكشوف وفيها إشارة الحسن والكناية بالصباح إلى سافرة التي ساوت في معناها: "اللي ماشيى على حل شعرها" والحل في ظاهره الكشف وفي اصطلاحه الخروج عن حد الحياء والأخلاق.

وإذا أخذنا الكلمة الفرنسية

"charmant"

والتي يقول القاموس إنها تعني "ساحرة" وتستخدم لمعان مثل : عذب وفاتن وجذاب وحبوب وآسر ولائق ومبهج ومبتهج . لمّا استعملت في العربية استخدمت بمنطوقها "شرموطة" ((مع الإعتذار طبعا لأسماعكم الكريمة)) والتي حيدت عن معنى الوصف الجميل للمرأة الحسناء إلى الوصف السيء لما هو مظنة الصدور عن هذه المرأة الحسناء من وجهة نظر العقل غير الحسن.

كلا الكلمتين تحولتا من المعنى العذب الجميل الذي يصف الحسن المجرد إلى معنى ضيق وإن ارتبط بالحسن في حالة واحدة ضيقة فهو يخالفه في بقية المساحة الرحبة.

مثال آخر أختم به، إن كلمة "ابن ناس" استعملت أول ما استعملت للتدليل على الأطفال غير معلومي النسب .. فهو ابن نناس. وانظر ما في الكلمة من لطف خفيف .. فناس ليست مسبة ولا كلمة سوء .. ثم انظر إلى "ابناء الشوارع" التي اصبحت اسمهم اليوم .. وتأمل ماذا جرى .

ما ابتدأت به وهو أنه يمكننا النظر في التغير الطارئ على الفكر من النظر للتغيرات الطارئة على استخدام الكلمات قد يقول أشياء كثيرة هنا .. أتركها لكم

وصباحكم وصباحكن ورد ..
 

blogger templates | Make Money Online